محمد عمارة | محمد طلبة رضوان

محمد عمارة 

عاش محمد عمارة كاتباً وباحثاً ومؤرخاً ومفكراً ومحققاً وصحافياً ومناضلاً، واليوم يرحل عن عمر يناهز 240 كتاباً. ميراث طويل من التجربة والإضافة. شيخاً شرعياً في نشأته، ماركسياً في شبابه، قومياً إسلامياً في نضجه، باحثاً في كل محطاته الفكرية عن ذاته، مؤمناً بنفسه، واثقاً في لغته، في ثقافته، في بلاده، في دينه، في حضارته، صاحب هَمّ، ولديه أمل. 

ليس صحيحاً أن عمارة كان منظّراً للحركات الإسلامية. عمارة كان ناقداً لها، مفككاً لآليات اشتغالها، كاشفاً عن مواطن الخلل في أفكارها، موجهاً شبابها وشيوخها بأهمية الاجتهاد والتجديد والإبداع. ليس صحيحاً أن عمارة كان تكفيرياً. عمارة خصم للتكفير في كل كتاباته، لم يكفّر فرج فودة، كما يُشاع، لم يكفّر نصر أبو زيد، وهاجم من كفّره، لم يكفّر أحداً. ليس صحيحاً أن عمارة كان طرحاً سلفياً مخففاً، عمارة خصم السلفيين على امتداد مشروعه، يسميهم النصوصيين، عبّاد الروايات، يرميهم بالإفلاس، يساويهم بالمتغرّبين، يهاجم منهجهم، مذهبهم، مشايخهم، أفكارهم، أوهامهم. الخلافة، في تصوره، وهم. النسخ في القرآن وهم. قتل المرتد وهم. رجم الزاني وهم. الفرقة الناجية وهم. صلاحية فهم السلف وهم. يعرض لنماذج العقلانية الإسلامية، يحتفي بها، يتبنّاها في كل محطاته الفكرية، من "المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية"، إلى "مقام العقل في الإسلام"، و"مفهوم الحرية في مذاهب الإسلاميين". يستلهم تراث المعتزلة، يعرضه، يدافع عنه، يحقق "رسائل العدل والتوحيد"، يحيي أفكار عصر النهضة، الطهطاوي والأفغاني ومحمد عبده والكواكبي وعلي مبارك وقاسم أمين وغيرهم. ذهبوا، وذهبت كتاباتهم، تاهت في الجرائد القديمة، والدوريات، ظل عمارة يتتبعها، ويجمعها، ويبوّبها، وينشرها تباعاً، إلى أن أعادها للحياة، وأعاد أصحابها إلى مواقعهم الفكرية الحقيقية، بعد أن شوّهتهم الرواية السلفية في أذهان جيل بأكمله. معركة عمارة مع التطرّف الديني كانت أكبر معاركه، لكنها معركة الورق والكتب. ولذلك غطست، فيما طفت فقاقيع سجالاته التلفزيونية، فالمشاهدون بالملايين، والقرّاء بالملاليم. 

يؤصل محمد عمارة للديموقراطية، ويكتب عنها عشرات الكتب. يدافع عن الثورة، ويعرض لها في المذاهب الإسلامية. ينتصر لأصحابها، ويهاجم خصومها، ليس بعد الربيع العربي، بل في سبعينيات القرن الماضي، في كتابه "الثورة". يؤصل للتعددية، في المذاهب والمناهج والأفكار، يعتبرها نزوعاً إنسانياً، تنوعاً وثراءً، في إطار الوحدة، الآخر الديني، في كتابات عمارة، مواطن يتمتع بكل الحقوق. يخوض عمارة معركة بناء الكنائس، يفكّك الرأي التراثي القائل بحرمتها، يعتبر بناءها حقاً وواجباً، معاركه مع الأقباط كانت مع تيار تسييس الكنيسة، فيما عداهم يعرض عمارة نماذج وطنية مشرّفة من المفكرين الأقباط، ويعتبرهم رفاق درب ونضال.

يكتب عمارة عن علاقة الإسلام بالفنون، ينفي عن الإسلام أي تحريم للموسيقى والغناء والتصوير، بل والنحت الذي توقف عنده أغلب الفقهاء، وقالوا بحرمته، وفقاً لأحاديث، اعتبروها قاطعة بالتحريم. يقدّم عمارة قراءة تاريخية لهذه الروايات، يشير إلى نظرة القرآن الإيجابية للتماثيل والمحاريب. لا يكتفي بذلك، بل يذهب بأفكاره إلى كلية الفنون الجميلة في مصر، يحاضر في ندوة، احتشد لها مئات الطلبة، يشرح لهم ويفهمهم ويطمئنهم، ويدفعهم إلى مزيد من الإبداع، من دون خوف أو وجل من تحريمٍ دينيٍّ متوهم. المرأة، في قراءة عمارة، إنسانٌ كامل، يتمتع بكل حقوقه. عمارة من أوائل من أقرّوا بحق المرأة "الشرعي" في الترشّح للرئاسة، وتولّي القضاء، وأصّل لذلك. أعاد قراءة مفاهيم القوامة، والطلاق، وتعدّد الزوجات، والاختلاط، وحتى المواريث. أشار إلى حاجتها الدائمة لقراءات مختلفة، وغير تقليدية، وإنْ لم يشارك في ذلك. الحلقة الأضعف في مشروع عمارة هي مساجلاته مع العلمانيين والحداثيين. لم يكن عمارة يعرف الإنجليزية، تأخرت الترجمات، وتحمّس الشيخ، وقدم قراءاتٍ متربصةً لإسهامات، لا تبتعد عنه، كثيراً، بل إن بعض أصحابها كانوا عياله وتلامذته، وعاشوا، حيناً من التحصيل، على كتبه، وما تجاوزوه إلا به، ولكنها الحياة، لا تمنح الكمال لأحد. عمارة أكبر من اختزال الإسلاميين الحركيين له في مناظراته، وأسلم من ادعاءات التنويريين الحكوميين له بالتطرّف والإرهاب. ولنا عودة.

المصدر
رابط المقال في #العربي_الجديد 
https://bit.ly/2TjIYA0

إرسال تعليق

0 تعليقات