في مديح الموتى والمقابر | موسى حوامدة

في مديح الموتى والمقابر 
موت هناك وموت هنا وعام جديد 

موسى حوامدة
   قبل أسبوع؛ أرسل لي الصديق جمال القيسي، مقالة جميلة، يعترف فيها أنه مقصر بحق شقيقته "فضة"، المقالة أعجبتني في طريقة كتابتها، ومهارة جمال في تحويل الأشياء العادية البسيطة إلى نص أدبي بارع، وفيها بوح وذكريات عذبة، عن شقيقته الكبرى التي لم يزرها منذ أشهر، وقد عتبت كثيرًا عليه، ورحت أنظّر عليه، وأنا أقول له: عيب يا رجل عندي ثلاث شقيقات، ولكنهن بعيدات عني، كما تعرف، ولا أتمكن من زيارتهن، وأشعر بالقهر لذلك، وكم تمنيت لو أن واحدة منهن فقط قريبة مني، وأنت لديك هذه "الفضة" الطبيعية والربانية، وتنسى زيارتها والاتصال بها، وهي أم حبيبك وحبيبي ماهر القيسي الشاعر الجميل، ولما شعرت أني أطبقت عليه الخناق،  وكاد يبكي، عدت للتواضع قليلًا واعترفت له أنني أيضًا مقصر، وأكثر منه، حتى في الإتصال هاتفيًا بشقيقاتي، وخاصة "نعمتي" الكبيرة ك "فضته"، فالحياة تأخذنا الى مسارات غريبة، ويصبح البعيد عن العين بعيدًا عن الاهتمام اليومي، فمنذ مات زوجها، هنا في الزرقاء قبل عدة أشهر، بقيت على اتصال بها، ثم انقطعتُ ولم أتصل، لكني تلقيت قبل يومين خبرًا حزينًا، من البلد، له علاقة بها، فقد توفي زوج ابنتها "سهى" التي لم أرها هي الأخرى من سنوات طويلة، وكانت الأقرب لي من بنات شقيقتي، هذا قبل مشوار المنفى الطويل.
جاء الخبر كالصاعقة، لقد مات ثروت أبو فردة، كان ساعد شقيقتي الأيمن، وكان الأقرب لها، وقد وجدتْ فيه تعويضًا عن مرض الزوج وغيابه وانشغال الأولاد والأشقاء، وزواج بعض البنات، وكان نعم الابن والسند الحقيقي لها ولأولادها، هذه خسارة كبرى لها، والأسوأ أن ابنتها فقدت زوجها الذي تحبه ويحبها، وترملت وهي في عز شبابها. 
هكذا كان يجرجر خيباتِه عام 2019 على وقع هذا الخبر المؤلم، وكانت مناسبة لأتصل بشقيقتي، وبدأت أفكر كيف أبرّرُ لها عدم اتصالي وانقطاعي عنها، فقالت مقاطعة: يا خيي اتصالك بكفي، عارفة مشاغلك، وأنت دائمًا حاضر، وصوتك عندي بالدنيا، والمهم إنك بخير، قلت: أنا حزين لما سمعت كيف يموت ثروت بهذه السرعة، قالت ما حدا خبرك أنه مريض، قلت لا والله لم أسمع، ولم يخبرني أحد، قالت: من أكثر من شهر مرض ودخل المستشفى، كَسرْني يا خيي، كان ثروت ابني، كان لي كل شيء، قلت لها أعرف، وفي كل مرة كنت أزور البلد كان لا يقبل إلا تلبية دعوته، ولكن هذا حال الدنيا، والموت علينا حق، مات أبوك وأمك في شهر واحد، ثم مات عمك، وأخوك وزوجك، كنت أقول لها أي كلام، فلا أجد عبارات مناسبة، ولا كلمة مواساة تليق بها، فقلت: والله أنا مقصر معك، وأشعر بالندم، ليس لي عذر، وحزنك يقتلني، وأنت تحملت الكثير منذ مرض زوجك قبل أكثر من ثلاثين عامًا، ولكنك ربيت أولادك وبناتك تربية حسنة، وأنت صبورة ولا بد من الصبر، وووو صرت أثرثر وأحكي لها عن الأحياء من أخوتي، وكيف انها كانت السبب في اجبار أبي ان يوافق على سفري للأردن على الأقل للتجسل في الجامعة الأردنية، بعد أن صار يماطل بحجة أن أخي الأكبر لم يذهب الى الجامعة، وهي تقول له هذا علاماته تؤهله، وهو مقبول، وحتى ممكن يحصل على بعثة، أحيانًأ يكون المهم وأنت تحكي مع شخص عزيز عليك، هو أنك تحكي معه، وليست الكلمات هي المهمة، كانت نبرة صوتها مرتاحة لأنها تفضفض لي، وهذا أسعدني جدًا،  وأفقدني الشعور بالخجل منها نوعًا ما، كنت مرتاحًا أني تحدثت معها وسمعت صوتها، ولا أدري كيف أنهينا المكالمة.
***
صبيحة أمس اول يوم من أيام العام  الجديد، كنت أتحدث مع ابنتها الثانية "فاطمة" المعلمة في مدرسة البلدة، وهي متألمة من أجل أمها وشقيقتها، قالت: ثروت كان أسطورة، لو تعرف كيف تقبل المرض والموت، بطريقة شجاعة وبطولية، قلت كان كريمًا وشهمًا ورجلًا، قالت فعلًا، قلت لا أستطيع التحدث الآن مع سهى، لا أدري ماذا سأقول لها، خليها ليوم يومين، حتى تتماسك، قالت فعلًا هي منهارة، وهي عارفة كم تحبها وسأخبرها، لا تقلق يا خال حسك بالدنيا، وأضفت واليوم أفكر بالذهاب إلى مادبا لأشارك في دفن قريبتنا أم محمد عبدالفتاح، التي توفيت صباح هذا اليوم. قالت ضروري إنك تروح، قلت لها مشوار بعيد، ولا أجد رفيقأ، وكنت مترددًا، ولكنها قالت: روح يا خال، قلت لها حاضر ولكي أهرب من موت ثروت على الأقل. 
كدت أقول لها ها أنت ترين كيف انتهت السنة، بموت ثروت واليوم نبدأ عامنا الجديد بموت الحاجة حليمة، هل ننهي عامنا بموت ونبدأ الجيد بموت، لكني شعرت ان الكلمة ستكون ثقيلة عليها فلم أقل، وحرفت الحديث وأنا أوصيها بأمها وشقيقتها.

***
في اليوم الأول من العام الجديد، ذهبت إلى مدينة "مادبا"، وعدت منها عصرًا بعد أن شاركت في دفن الحاجة حليمة حسن حجاز، والدة ابن عمي محمد عبد الفتاح الحوامدة (عميد متقاعد من الأمن العام)، رجل حقيقي وصاحب واجب وصديق عزيز ليس مجرد ابن عم أو قريب فقط، وكنت أفكر بموت والدته وربما داخلني نوع من (الحسد) لأن الحاجة حليمة كانت أكبر من والدتي، وعمَّرت أكثر منها، مع دخول العام الجديد تكون والدتي ووالدي قد رحلا قبل سبعة عشر عامًا، وها انا أشارك في الصلاة هنا على الحاجة أم محمد، ولكني لم أشارك في الصلاة على والديَّ أو دفنهما، فليس سهلا أن أذهب إلى البلد وقتما أريد، فالاحتلال قائم ولا يسمح إلا بعد طلبات وموافقات نادرة، رأيت أبناء الحاجة حليمة وهم يسندون بعضهم بعضًا، يخف المصاب بالتلاحم، وأقاربهم وجيرانهم وأصدقاؤهم كثر حولهم، وأهل مادبا في هذه المناسبات أصحاب واجب، صحيح أن المرحومة تجاوزت التسعين عامًا، ولكن تظل للموت رهبته وسطوته، رغم اني أشعر براحة عجيبة في المقابر، وحتى لو مررت بقربها، وليست هذه المرة الأولى التي أشعر فيها بالراحة، حتى عندما دفنت ابن عمي "سامي" زوج شقيقتي نعمة، في مقبرة الهاشمية في الزرقاء، شعرت براحة نفسية، وقد عدت مرتين لأشاهد قبره، وفي كل مرة أذهب إلى قبره أشعر بنفس الراحة النفسية، بل أظن أن مقبرة الهاشمية فسيحة ومريحة جدًا، ومكانها فيه سكينة، وكي لا يظن البعض أنه شعور ديني كامن لدي، فقد شعرت بنفس الشعور في مقبرة حيدر باشا في اسطنبول، حيث كنت أتردد عليها، لزيارة قبر سيدة عزيزة، وكنت استغرب ان الأتراك لا يكتفون بوضع أسماء الموتى بل صورهم والأوسمة التي حصلوا عليها، والمقابر لديهم منظمة ونظيفة جدا وكأنها حدائق. حتى مقبرة مكة التي زرتها عام 2006 كانت مريحة رغم أن القبور لا تظهر فوق الأرض على الطريقة الوهابية، وهي مجرد مساحات لدفن الموتى وسوف تتعب كثيرًا لتندل على قبر أحد الموتى، هذا إذا تمكنت من ذلك، وكذلك مقبرة معركة احد فهي بلا شواهد وقفت عندها ذات عمرة وقرأنا الفاتحة على قبور الشهداء ومن بينهم حمزة بن عبدالمطلب، وكان البعض يعتقد أن له قبرًا خاصًا. وزرت قبر النبي محمد والخليفة أبي بكر وعمر بن الخطاب في المدينة وهو مكان مريح جدًا، وتسمى المنطقة القريبة من قبرالنبي محمد الروضة، وزرت النجف الأشرف ووقفت عند قبر الحسين وهو مكان مريح جدًا. ويبدو أني أشعر بنفس الشعور عند أي قبر فما بالك لو كانت مقبرة، وقد حصل معي نفس الشعور، حين زرت مقبرتين مسيحيتين في عمان؛ الأولى أم الحيران حين مات ابن جار لنا من آل المجروح قبل سنوات بعيدة، وحين مات جار آخر من آل الصناع، فذهبت الى المقبرة المسيحية في سحاب ويومها وجدتها فرصة مناسبة لزيارة قبر الحكيم جورج حبش، وهو يستحق الزيارة دون مناسبة.

إرسال تعليق

0 تعليقات