الصوفي عازف الساكس! | سمير درويش

الصوفي عازف الساكس!
سمير درويش



لم أفكر –ولا مرة- أن آخذ صورة سيلفي مع محمد عيد إبراهيم Mohammad Eid Ibrahim، 

فلديَّ فكرة متجذرة في وجداني أن صوري لا تشبهني، أحس أنني شخص آخر غير هذا المستنفر باستمرار، الذي تتشكل ملامحه –بشكل مبالغ فيه- مع كل انفعال، ثم إنني –وهذا هو الأهم- لم أكن أتصور أنه سيموت مبكرًا هكذا، ودعك من تصور أغرب هو أننا لم نلتق في العامين أو الثلاثة أعوام الأخيرة، رغم أن حواراتنا لم تنقطع في الإنبوكس.. ساعات كثيرة أشعر بالامتنان للفيس بوك، لأنه وفر لرجل قليل الاختلاط مثلي فرصة التحاور مع من يحب!
أنا أحب شعراء "إضاءة 77" أكثر من شعراء جماعة "أصوات"، وإن أردت الدقة فأنا أعرف معظم شعراء إضاءة عن قرب، بينما لا تربطني علاقات عميقة بأيٍّ من شعراء أصوات، ربما لأنني كنت قريبًا من حلمي سالم في بداياتي المبكرة، أقرأ عليه ما أكتب ويقرأ عليَّ قصائده قبل أن ينشرها، لكني كنت معجبًا بمحمد عيد إبراهيم، دون أن أتكلم معه. وقتها –في منتصف الثمانينيات- كنت أزور المجلات الأدبية بانتظام، ومنها مجلة "الثقافة الجديدة" التي يعمل علي أبو شادي مديرًا لتحريرها، وقت أن كان حسين مهران رئيس تحرير كل مطبوعات هيئة قصور الثقافة! هناك رأيت (عيد)، شاب طويل ونحيل بعيون ملونة، وقميص أخضر مجسم ومنحن قليلًا عند أعلى ظهره. كان يمسك أوراقًا ويمشي بجدية كمن يجري، أنا أيضًا أمشي بتلك الجدية لأنني لا أحب المسافات بين الأماكن، فبدأت الاهتمام به.
عندما أنشأ الراحلان د.سيد خطاب ومحمد أبو المجد فكرة مجلس تحرير من أبناء هيئة قصور الثقافة يدير مجلة "الثقافة الجديدة" بالتعاون والتبادل، أتونا بمجلس تحرير محترم يضم مجموعة من مثقفين وأدباء يعيشون خارج العاصمة، ثم بعد وقت أضافوا اسم محمد عيد إبراهيم، كان عائدًا من سفر طويل، وينتظر خروجه على المعاش بعد أشهر، وكان المجلس هو المكان المناسب –من وجهة نظرهم- للانتظار خلال تلك الأشهر، وكانت فرصة مهمَّة لأرى الرجل عن قرب وأتحدث وأتجادل معه. المفاجئ أنه رجل هادئ ودود رغم أنه صاحب مشروع ثقافي صاخب، فيه دواوينه التي حاول خلالها أن ينحت طريقًا له، لا يتقاطع مع الطرق الشهيرة في الشعرية العربية: أدونيس ومطر ودرويش.. إلخ، وفيه ترجماته الكثيرة لعيون الأدب الأجنبي، شعر وقصة ورواية ودراسات، هذا الرجل الهادئ مؤسسة كاملة، يعمل في صمت، ولا يجب الإعلانات والصخب.
كنا نلتقي مرة أو مرتين أسبوعيًّا، بانتظام، وحدنا. يشتري مخبوزات ساخنة من فرن قريب من مقر المجلة، يضعها أمامنا فنأكل ونشرب شايًا وقهوة سوداء، ونتكلم عن كل شيء. كنت أتابع منشوراته على فيس بوك في مرحلة من أكثر مراحل تاريخنا الحديث توترًا بعد الحراك الثوري الذي بدأ في يناير 2011، وفي خضمه، نتكلم عن الشعر والملفات الثقافية وعن الشأن العام، ثمة أمور كثيرة يمكن أن تختلف فيها مع محمد عيد إبراهيم، لكنك لا يمكن أن تخطئ رقيه في الحوار، وعزوفه عن المزاحمة، وأنفته الظاهرة، وسلوكه الصوفي المترفع العميق الذي يرى باطن الأشياء ولا يقف عند ظواهرها، كأنه راقص تنوره يرى الكون أبيض، أو عازف ساكس يضع خبرة عمره في الهواء الذي ينفخه كي يصير ألحانًا شجية عذبة.
أتصور أن محمد عيد إبراهيم كان يراني من العمق، يرى أفكاري وانشغالاتي وقلقي ورغبتي في الطيران، ألمح من بعض عباراته أنه جمَّع معلومات ثقافية وحياتية عني، لأننا لم نكن قريبين بالقدر الكافي، ولأننا سنصير مقربين بحكم تواجدنا في مكان واحد، وبحكم –هذا هو الأهم- انشغالنا بالوضع العام في مصر في اللحظة الراهنة، كلٌّ من المكان الذي يشغله، دون أن يخطِّئ أحدنا الآخر، ودون أن يتصور أحدنا أنه يعرف أكثر أو يفهم ما لا يفهمه غيره.
(المثقف) الحقيقي –كما أفهمه- هو الذي يمتلك وجهة نظر في الحياة والناس والتاريخ والأيديولوجيا والفن والأدب والرقص، وكل شيء، وجهة نظر مبنية على معرفة ثقافية وحياتية وتبصر واستنباط واسترجاع ومقارنة ومقاربة، يستطيع أن يدافع عنها بحجج منطقية سليمة، لا بكسر عنق المنطق واستغفال العقل، وقبل كل ذلك وبعده، هو الذي يفهم أن قناعاته خطأ تحتمل الصواب، وأنه لا يجب أن يتعصب لما يعتقد، أو يقهر المخالفين لكي يعتنقوا ما يعتنقه، ليس من المهم في هذا التصور أن يكون المثقف يمينيًّا أو يساريًّا أو متوسطًا، المهم ألا يكون متطرفًا، وهكذا رأيت محمد عيد إبراهيم دائمًا: ينتج الثقافة بشكل يومي مستمر من خلال قصائده وكتاباته ومناقشاته الأدبية والفكرية، ويعد أبًا لكثيرين من أدباء وشعراء من مختلف الأجيال، وعضوًا نشطًا على (جروبات) الترجمة على فيس بوك، ويصدر كتبًا باستمرار تعد علامات في مجالها، ومع ذلك فهو هادئ ومتواضع ولا يتعصب لرأي، ولا يقاطع لاختلاف وجهات النظر.
في مايو أو يونيو 2019 أخبرتني زميلتي رشا حسني Rasha Hosny أنها ستعد حوارًا مع محمد عيد إبراهيم لمصلحة مجلة "ميريت الثقافية"، وهي نابهة كما أعرف يقينًا، تقرأ جيِّدًا وتتعب في إعداد أسئلتها ولا تكتفي باختيار أسئلة من حوارات سابقة للمصدر كما يفعل كثيرون. رحبت بالفكرة بالتأكيد لأنني أدرك القيمة الثقافية والشعرية للرجل، لكنني فوجئت أنه رفض إجراء الحوار بعد أن قرأ الأسئلة. قالت لي رشا إنه أحس بتربص غير موجود ولا مقصود، فأدركت حساسيته، فاستأذنتها أن أحاوره أنا، فقبلت بترحاب.
أرسلت أسئلتي لمحمد عيد إبراهيم وأخبرته أنها ليست ملزمة، بمعنى أنه يستطيع إهمالها والإجابة عما يراه هو، فقال بود حقيقي يليق بصداقتنا إنه سيرى ما يمكن فعله، ثم أتتني أجوبته عن أسئلتي نفسها، التي تعد أكثر (تربصًا) من أسئلة رشا، فكان حوارنا الوحيد الذي أعتز به، كما كنت ولازلت أعتز بشاعر كبير من جماعة أصوات –وليس من إضاءة-، جماعة أصوات التي لا أعرف حتى الآن كيف جمعت محمد عيد إبراهيم وأحمد طه وعبد المقصود عبد الكريم وعبد المنعم رمضان ومحمد سليمان تحت لافتة واحدة، تلك التجارب التي لا يمكن جمعها معًا أبدًا!
يكبرني محمد عيد إبراهيم بخمس سنوات فقط، لكننا مختلفان في وجوه كثيرة: هو سبعيني حتى النخاع، مخلص لمرحلته بعمقها الثقافي العام: في طريقة اللبس وقصة الشعر والانحيازات الاجتماعية والثقافية، وأنا رجل ثمانيني بدأت حياتي من جملة كتبها إبراهيم داود Ibrahim Dawoud يومًا عنوانًا لمقال صغير نشره في مجلة نصف الدنيا: "نحن جيل الحلول الفردية"، يعني نحن لسنا صالحين للتشكل في جماعات مثل السبعينيين، الذين تربوا في مرحلة الجموع والكيانات الوحدوية الكبرى التي تلغي الفردانية، نحن مختلفين، لا ينظر المرء منا خارج جسده، لذلك ناسبتنا "قصيدة النثر" أكثر باعتبارها نوعًا من الفضفضة الجوانية، ووسيلة للكشف –أو الفضح- والتطهر، وفي ذات اللحظة لا ندَّعي علمًا ولا ثقافة ولا معرفة بالأسرار، ولم يدَّع أي منا النبوة. لكن محمد عيد إبراهيم كان أقرب للأنبياء في تطهره وسموه وترفعه عن الكثير مما يلهث غيره وراءه، فأخطأته ترشيحات جوائز الدولة، والجوائز الأخرى القريبة مثل كفافيس، رغم أن إنتاجه الثقافي في الشعر والترجمة، وأبوته للأجيال التالية، ودأبه في حضور الفعاليات الثقافية حتى آخر أسبوع في عمره، كلها ترشحه بجدارة كي يكون في الصدارة.. لهذا لم أندهش حين تصدرت صورته (التايم لاين) لعدة أيام، في تدوينات جميع من أعرفهم، سواء في تدوينات النعي، أو نشر صوره في (الاستوري)، وقتها أدركت أن هذه جائزة محمد عيد إبراهيم الحقيقية.
نم مرتاحًا يا صديقي، فإن كنت ترانا الآن أم لا ترانا، فإن غيابك المفاجئ كان مظاهرة كبرى في حبك، وتقييمًا شعبيًّا لمكانتك الثقافية ووفائك لأصدقاء ومحبيك. فنم قرير العين.




المصدر جريدة اخبار الادب 


إرسال تعليق

0 تعليقات